logo

Select Sidearea

Populate the sidearea with useful widgets. It’s simple to add images, categories, latest post, social media icon links, tag clouds, and more.
hello@youremail.com
+1234567890

الثقافة المطبوعة في الزمن الفضائي والنشر الإلكتروني

حمد بن عبدالله القاضي

حمد القاضي > المحاضرات  > الثقافة المطبوعة في الزمن الفضائي والنشر الإلكتروني حمد بن عبدالله القاضي

الثقافة المطبوعة في الزمن الفضائي والنشر الإلكتروني

حمد بن عبدالله القاضي

الثقافة المطبوعة في الزمن الفضائي والنشر الإلكتروني 

 

 

***

حمد بن عبدالله القاضي
 

 

عـضو مجلس الـشورى السابق

أمين عام مجلس أمناء مؤسسة

الشيخ حمد الجاسر الثقافية

 

 

***

 

 

محاور المحاضرة

 

** مقدمة:ـ

** الأسلاف وعشق المعرفة:

** لماذا سوف يبقى الكتاب المطبوع؟

** رسالة الكلمة ومسؤوليتها:

** الثقافة في صحافتنا:

** القراءة وأثر الوسائل الإعلامية الحديثة.

** العلاج بالقراءة: 

** التقنية حفزت على القراءة:

** وكيف يتم النجاح لإنسان معطل العقل؟!

**  أما في العالم العربي .. فماذا عندنا؟

** ختاماً: 

 

 

 بسم الله الرحمن الرحيم

 

الثقافة المطبوعة  في الزمن الفضائي والنشر الإلكتروني.. !

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حمد بن عبدالله القاضي  *

 

هذه المحاضرة مهداة إلى محبي ومؤثري «الكتاب المطبوع» والمشفقين عليه نساء ورجالا في عصر ثورة الاتصالات، وتنوع مصادر المعرفة

 

** مقدمة:ـ  

 

الحمد لله الذي علّم بالقلم علّم الإنسان ما لم يعلم، وأصلي وأسلم على نبينا محمد الذي هدى الإنسان إلى خير دين ومعلم.

 

{ربِّ اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدةً من لساني يفقهوا قولي}

 

وبعد:

بدءاً:

 

1ـ تقول العرب ثَقَّـف الرمح أي عدله، ومن هنا فإن الثقافة معرفة تعدل السلوك.

 

2ـ وهناك تعريف سائد يقول: ((الثقافة هي الأخذ من كل علم بطرف)).

 

3 ـ أما التعريف الثالث للثقافة فإنه يأخذ البعد الفلسفي فيعرف الثقافة بأنها: ((نظرة شاملة للكون والحياة والأحياء)).

 

** الأسلاف وعشق المعرفة:  

 

أتوقف في مستهلّ هذه المحاضرة عند حب الأسلاف ((للكتاب)) حبا كبيرا يصل إلى درجة العشق عند بعضهم، وذلك من وحي قناعتهم أنه مستودع معارفهم وسلوة أيامهم، فضلا عن أنه لا يوجد ما يصرفهم عنه، وقد ولد المؤِّرخ ياقوت الحموي في مكتبة ومات في مكتبة، والإمام أحمد بن حنبل كان عندما يزوره ضيوف يجلس معهم ويؤنسهم ويتحدث معهم ولكنه كان يشغل يديه بتجهيز الأوراق والمحابر، والعالم إسماعيل القاضي روي عنه أنه ما رؤي إلا ومعه كتاب، و «قصص الوراقين» – وهو مصطلح قديم يطلق على «الكتاب والأدباء» الذين عشقوا الوراقة ــ كثيرة وجميلة جدا، وقد كانت محصلة هذا العشق للحرف أنه أينع في حياتهم وحياة غيرهم ثمرات طيبة وإبداعات مزهرة.

 

وكم تنبت من شجرات الحسرة في نفوس عاشقي الكتاب عندما نرى – في هذا الزمن المعتل الآخر – هوان الكتاب وإعراض كثير من الناس عنه، وجفاءهم له، لكن ما يريحنا كثيرا أنه لا يزال وسيبقى عشاق للكتاب يأنسون بالسفر بين سطوره، وتهنأ نفوسهم عند احتضان أوراقه، وقد جسد ذلك أحد عشاق الكتاب عندما جعل من الكتاب «محبوبا» له لا يستغني عنه، ولا يعيره، أو يعطيه أحدا، لقد وضع على باب مكتبته الأثيرة لديه لوحة جميلة كتب عليها هذا البيت الجميل كجمال عيني الحبيب لدى العاشق، وكسحر سطور الكتاب لدى هذا الأديب الشاعر:

 

            ((ومحبوبي من الدنيا كتاب

                  فهل أبصرتَ محبوباً يعار))

 

وأعرف عددا كبيراً من المسئولين ورجال الأعمال على الرغم من مشاغلهم الكثيرة فإن القراءة تبقى عزيزة لديهم، والكلمة المطبوعة مرافقة لهم في أسفارهم.

 

ومن يحب الكتاب لا يسلوه مهما كانت مشاغله واسألوا عشاق الكتاب ولا ينبئكم مثلهم.

 

** لماذا سوف يبقى الكتاب المطبوع؟

 

سيبقى الحرف المطبوع والكتاب المقروء ؛ لأن الكتابة هي الحقيقة الأبقى ولقد ورد في القرآن الكريم ما يؤكد هذه الحقيقة (ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتاباً نقرؤه) الإسراء 93، فضلا عن الارتباط الوجداني بالكتاب الورقي إحساساً وعناقاً والتصاقاً..!

 

يروى أن الخليفة هارون الرشيد دخل على ابنه المأمون وبين يديه كتاب يطالع فيه فسأله الرشيد: ما الذي بيدك فقال المأمون: – وهو أحد عشاق الكتاب الذين يعرفون قيمته وجدواه – (بعض ما تشحذ به الفطنة ويؤنس به من الوحشة).

 

وقصة أخرى ترسخ مكانة الكتاب تلك هي قصة الفضل بن سهل عندما دخل على المأمون وطفقا يتجولان في بساتين دمشق فقال له الفضل: هل رأيت – يا أمير المؤمنين – أجمل من هذه البساتين فقال المأمون: ((أجمل منها كتب تجلو الأفهام أو تسر القلوب وتؤنس الأنفس ..!)).

 

وقد صدق فالأنس الأعمق والأبقى والأوفر ارتياحاً هو الذي تبعثه عوامل الروح وحوافر الوجدان وليس – فقط – مظاهر المادة وزخرف المظاهر..!

 

** رسالة الكلمة ومسؤوليتها:

 

حسب الكلمة مسؤولية الرقابة الإلهية عليها حيث يقول البارئ – سبحانه و تعالى – في تحديد دقيق لهذه المسؤولية: {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد} وفي السنة الشريفة قول كريم يشي ويشير إلى خطورة الكلمة حيث يقول الرسول – عليه السلام -: (إن المرء ليقول الكلمة لا يلقي لها بالا تهوي به سبعين خريفاً في النار)، ويقول القائد صلاح الدين: ((والله ما فتحت البلاد بسيفي ولكن فتحتها برسائل القاضي الفاضل)) ـ وهو غير المتحدث بالطبع ـ.!!

 

** الثقافة في صحافتنا:

 

كانت صحافتنا ثقافية، بل أدبية خالصة، وكانت الصفحة الأولى في صحفنا تحوي قصائد ومقالات أدبية وقصصا، ثم جاءت مرحلة الملاحق المتخصصة، والمجلات الثقافية والعلمية.

 

وقد كان الناس صغيرهم وكبيرهم يتابعون كثيرا الصحافة الأدبية والكتاب بشكل عام؛ وذلك – بالطبع – لقلة المغريات الصارفة – وأنا أرى أن مجتمعنا السعودي لم يبلغ الدرجة من العزوف عن الكتاب إلى درجة الشفقة عليه، وانظروا كثرة وانتشار المكتبات التي تحوي أنفس الكتب ولو لم تكن ناجحة لتم إغلاقها، وهنـاك مقـولة لأحـد الناشـرين: ((الكِتــاب يؤلــف فـي مصر، ويطبـع فـي بيروت، ويقرأ في السعودية )).

 

والحق أن في القراءة متعة لا يظفر بها إلا من يجد المتعة وهو يدير أهدابه بين جدائل الكتب، يقـول الشاعر محمد بن عثيمين في بيت جميل:-

 

     ((جعلت سميري حين عزّ مسامري

         دفاتر أملتهــا العقــــــول النوابـــغ))

 

إن الذي يحرم متعة القراءة يحرم – في تقديري – من أحد متع الحياة الجميلة.

 

فضلاً عن أن للقراءة أثراً باقياً – وليس طائراً – على رؤية الإنسان للحياة واستلهام تجارب الآخرين للإفادة منها في اتخاذ قراراته ومواجهة مشكلاته.

 

يقول الأديب الفرنسي "أندريه جيد": ((عندما تعيد الكتاب إلى الرف ثانية بعد قراءته تأكد أنك لن تكون الشخص نفسه بعد قراءته)).

 

وقد صدق ..!

 

وهذا يعني أن للقراءة سلطة ذات تأثير قوي لها أبلغ الأثر في قناعات الإنسان في هذه الحياة ومساره فيها، وبالتالي فإن على الإنسان أن يكون دقيقاً فيما يختار وفيما يقرأ ويطالع ويقتني من الكتب والمطبوعات.

 

** السؤال الأهم: هل لدينا ثقافة تستحق القراءة والتصدير؟:

 

منجزنا الثقافي – في تقديري – متزامن مع المنجزات الأخرى أو بالأحرى لعله مقارب لها، إننا نرى أن هناك عشرات المجلات والصحف التي تطبع وآلاف الكتب التي تصدر، والكثير من القنوات الثقافية ، ولولا وجود ((زبائن)) لها وتوافر القاطفين لحصادها لما صدرت هذه الكتب ولما وزعت هذه الصحف والمجلات، وعلى الرغم من عمرنا الحضاري الثقافي القصير في هذا المنجز إلا أننا أنجزنا شيئاً جيداً، ونحن ماضون بخطى حثيثة لنكون في زمالة وندية مع أكثر الدول تعلماً وثقافة.

 

يبقى أن هذا المنجز الثقافي يحتاج إلى دعم ومساندة مادية ومعنوية ومن يطلع على المنتج الثقافي السعودي يحس أن بلادنا ليست بلاد نفط ومدن إسمنتية فقط، ولكنها وطن حضارة وثقافة وإنسان يعطي ويبدع، ألم يقل القصيبي في بيت شعري جميل وصادق:

 

           ((نفط يقول الناس عن وطني

                ما أنصفوا وطني هو المجــد))

 

** القراءة وأثر الوسائل الإعلامية الحديثة:

 

نعم وسائط المعرفة الحديثة في زمن ثورة الاتصالات زمن لشبكات عنكبوتية والقنوات فضائية لها تأثير في صرف بعض الأحداق عن الكتاب والكلمة المطبوعة لكن في ظني ليس هناك شيء يلغي شيئا، فثقافة (الإنترنت) مهمة، ولكن الكلمة المكتوبة ستبقى، وثقافة الفضائية لا تنفي ثقافة الكلمة المقروءة، إن كل واحد – في تقديري – يكمل الآخر.

 

إن ميدان التنافس هو أن تقدم شيئاً يستحق المتابعة سواء أكان مقروءاً أم مشاهداً أم مسموعاً، ففي ميدان القراءة قدم كتاباً جيداً وسوف تجد لـه قراءً ومتابعين كثر ، وليس أدل على ذلك من كتاب «حياة في الإدارة» للدكتور غازي القصيبي فقد حقق أكبر نسبة مبيعات على الرغم من طباعته في عصر (الإنترنت) والفضائيات، وكذا كتاب «أي بني» للدكتور: عبدالعزيز الخويطر الذي وزع منه ا لكثير، وكتاب الداعية عائض القرني (لا تحزن) الذي وزع في داخل المملكة وخارجها بأعداد كبيرة جداً وغيرها كثير.

 

إنني من متابعة ميدانية وليس من منطلق عاطفي وجداني أقول: إن الكتاب الجيد والكلمة المكتوبة سوف يبقيان، وليس هناك شيء يأخذ مكان شيء، فالمذياع بقي على الرغم من ظهور التلفاز وانتشاره، والتلفاز استمر على الرغم من وجود«الإنترنت» وهكذا.

وتبقى ميزة للكتاب أنه لا يحتاج إلى أجهزة وأسلاك وكهرباء، وتستطيع أن تقرأه وأنت قائم أو قاعد أو مستلق، وتستطيع كفاك وعيناك أن تحتضنه وأنت في الأرض أو في السماء، فضلا عن أن قراءة كتاب ذي صفحات كثيرة عبر شاشة «الإنترنت» صعبة للغاية، ولذا نجد شيوع مصطلح «تصفح» الإنترنت ولا يقال قراءته.

 

أما من جانب منافسة «الشاشات الأرضية والفضائية» فإن كثرتها جعلت من العسير على الجالس أمامها متابعة ما يبث فيها، وهذه «الكثرة» رجحت الكفة لصالح الكلمة المقروءة ذلك أن القنوات الفضائية جعلت الإنسان لا يركز في مشاهدته للشاشة بل ينتقل عبر ((المحرِّك الآلي)) ثم في النهاية يسأم ويدع الشاشة مفتوحة كيفما اتفق..!

 

ثم ألا يكفي أن قراءة صحيفة أو مجلة خلال دقائق تختصر له ما يدور في عالمه ومجتمعه، وتكون أحفظ لوقته وأسلم لعينه وأوفر ارتياحاً لنفسه.

 

أجل إن التعامل مع الكلمة المطبوعة أيسر جهداً وأكثر جدوى فضلاً عن أنها تحمل توثيقاً للمعلومة، ناهيك عن الارتباط العاطفي بين القارئ والكتاب سواء للكبار الذين عاشوا حياتهم معه، أو الصغار الذين تعاملوا معه عبر مناهجهم ومدارسهم.

 

إن هذه العلاقة حميمة، تماماً كما هي العلاقة بين حضن الأم ولهفة الطفل.

 

العلاقة بالكتاب علاقة تاريخ وحضارة وجذور، يقول أحد عشاق الكتاب الأستاذ الشاعر: هاشم الجحدلي: ((مازلت مؤمنا برغم كل صيحات الإحباط، ودعاوى التشاؤم، بأن المستقبل للكتاب، برغم كل وسائل الاتصال ووسائط المعلومات. فالعلاقة بالكتاب ليست علاقة مع النص فقط، ولكنها علاقة روحية تتجذر عميقا في روح ويقين الإنسان منذ أقدم عصور البشرية.

ترى ما الذي يجعل بعضنا ينادي بقتل الكتاب، بالكتاب والنار فقط استطاع الإنسان أن يكتب تاريخ البشرية على هذه البسيطة)).

 

وفي إحصائية رسمية موثقة لوزارة الثقافة بالمملكة العربية السعودية تم نشرها في 4/11/1426هـ جاء فيها أن عدد المطبوعات ما بين صحيفة ومجلة التي توزع في أسواق ومكتبات المملكة بلغ عددها (1600) مطبوعة وكل مطبوعة في هذا الرقم توزع عشرات الآلاف من النسخ.

 

وينهض هنا سؤال مهم ومقنع: لو لم تجد هذه المطبوعات قراء ومتابعين لها لما تم طبعها وتوزيعها وبيعها وتحقيق الربح المادي منها، إن المسألة هنا – بلغة أهل الاقتصاد – مسألة عرض وطلب..!

 

لكل هذا ولأكثر منه أجزم أن الكلمة المطبوعة باقية، ليس لمجرد أن هذا حلم عاشق أو أمنية حالم، بل لأن هذه حقيقة، يقول أحد كبار المسئولين عن شركات توزيع المطبوعــات، مديــر عــام الشركـة الوطنيـة للتوزيـع بالمملكـة أ.محمد الخضير عندما سئل في حوار صحفي بمجلة اليمامة بتاريخ 25/12/1425هـ: ((هل الثقافة المكتوبة بانحسار بعد الفضائيات ومواقع «الإنترنت» فأجاب قائلا: (تَصاعُد أرقام التوزيع تنفي هذه المقولة ، والدليل أن مبيعات الشركة من المطبوعات زادت عام «2004م عن العام الذي قبله).

 

أما أكبر دليل أخير وجديد فهو ما رأيناه بمعرض الرياض الدولي الأخير للكتاب حيث شهد المعرض زيادة إبتياع واقتناء الكتب، بل نفد عدد كبير من الكتب في الأيام الأخيرة حتى أضحت الأرفف خالية، وقد بيع بالمعرض مئات الآلاف من الكتب خلال مدة محدودة.

 

لو لم يكن هناك قراء هل سيكون هناك مثل هذا الاقبال ومثل هذا الاقتناء؟

 

** إنه ليس بعد الأرقام من حقائق..!

 

أمر آخر يعضد هذه الحقائق: هو أن ثورة الاتصالات -في ظني- ستخدم الثقافة المطبوعة والكتاب المقروء وستساعد على نشرهما، والتعريف بهما واقتنائهما، وليست حربا عليهما، وقد بدأنا نسمع عن «الكتاب الإلكتروني»، ونتابع ونشاهد بعض البرامج الثقافية عبر بعض الفضائيات، وجلها تتجه إلى ترسيخ الثقافة ونشرها، والحفز على القراءة والاطــلاع، وأينما تمطر فخراجها لأرض القراءة وإثراء الفكر.

 

لكـن الذي نخشـاه ألا تقــدم هذه الوسائط: الثقافة الجيدة ويستمر -الكثير منها كما هو السائد الآن- في تقديم التفاهات وثقافة التهميش -إن صحت التسمية- عبر الفضائيات ومنتديات «الإنترنت»، فتشغل المتلقين -وبخاصــة الأجيــال الجديــدة- بمتابعتهـا، وتصرفهـم عن الثقافـة الجادة والجيدة . وانظروا إلى كثير من الفضائيات، وتصفحوا أغلب مواقع وساحات ومنتديات «الإنترنت» وسوف تقفون على حقيقة ما أقول.

 

تبقى مسألة مهمة وهي: «توثيق المعلومة» الموجودة على مواقع «الإنترنت» أو ما يسمى (النشر الإلكتروني)، هي في أغلب المواقع -وبخاصة الشخصية التابعة لكاتب أو باحث أو شاعر-، لا تحمل طابع التوثيق أو التدقيق، لأنها منتج قابل للتعديل أو التغيير في أي لحظة من قبل صاحب الموقع، سواء أكان باحثا أم دارسا أم شاعرا أم عالما، بخلاف الكتاب المطبوع الموثق بطبعته وزمنه المطبوع عليه، والذي تستطيع أن ترجع إليه اليوم أو بعد مائة عام.

 

هناك أمر آخر: هو أن القراءة عبر شاشة الحاسب مملة للنفس، مرهقة للعينين، وأقول هذا عن تجربة، ولذا تلاحظون -كما أشرت سابقاً- أن القراءة عبر «شبكة المعلومات» تسمى تصفحا ولا يطلق عليها اسم «قراءة»؛ لأنها لا تحقق الإحاطة والعمق وترسيخ المعلومة.

 

مرة أخرى هذا لا يعني إطلاقا نفي تلك الجدوى العظيمة التي قدمتها ووفرتها وسائط المعرفة الجديدة لكل باحث بل ولكل إنسان من خلال كم تلك المعلومات الثرة في كل شأن..!

 

لكن القضية: قضية تكامل وإفادة وتنافس بين ما تقدمه شاشة الجهاز، وصفحة الكتاب وشبكة «الإنترنت»، وكل إنسان يختار الفضاء الذي يرغب أن يحلِّق فيه، تماما كما ينام الإنسان على الجانب الذي يرتاح إليه.

 

وفي كل الأحوال لا يعني كثرة وسائط المعرفة التقاطع بين الخيارات بقدر ما يعني التوافق بين أهداف هذه الوسائل، والمحصلة هو إثراء المعرفة وسهولة الوصول إلى المعلومة وتوثيق المادة المقدمة.

 

 

** العلاج بالقراءة:  

 

لقد قرأت بحثا علميا جيدا للباحثة الوراقية أ/ فوزية الجلال أسمته (توصيف الأثر الكتابي)، وقد أشارت فيه إلى (أنه في بعض مستشفيات الغرب هناك ما يطلق عليه «عربة الكتب» وهي تدور بين غرف المرضى -كما تدور عربات الغذاء- وكل مريض يأخذ الكتاب الذي يرغب فيه حيث يجد فيه -وهو في غرفته- ما يؤنسه ويثقفه، بل ويسهم في علاجه).

 

والعلاج بالقراءة حقيقة قائمة أثبتها القرآن الكريم قبل أن يثبتها الغرب: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة} الإسراء – 82.

 

يقول أحد علماء النفس عن أثر القراءة في المساعدة على الشفاء:

 

«إن العلاج بالقراءة هو أسلوب جديد لتهيئة المناخ والظروف لمناقشة أبعاد المشكلة التي لا يمكن مناقشتها دون القراءة، ربما بسبب الخوف أو الخجل أو الشعور بالإثم، وبمساعدة المعالج يمكن مساعدة المريض على التعبير عنها من خلال المادة القرائية الموصوفة لحالته».

 

ان القراءة بغض النظر عن جدواها الثقافية هي نوع من الترفيه الذي يكون محصلته الراحة والسعادة، يقول الباحث أ. صلاح الشهاوي في بحث لطيف لـه عن القراءة نشرته مجلة المعرفة في عددها رقم (135): ((الناس يلجؤون للكتب للقراءة، يتسلون عن مصائبهم حتى رأينا المنصور يطلب من يسليه بالشعر، فقد جاء في كتاب قصص العرب «لما مات جعفر بن أبي جعفر المنصور مشى أبوه في جنازته من المدينة إلى مقابر قريش ومضى الناس أجمعون معه، ثم دفنه، ثم انصرف إلى قصره، أقبل على الربيع فقال: يا ربيع انظر من ينشدني ويسليني بقصيدة ((أمن المنون وريبها تتوجع)).

 

وقد سبق كل بحوث ونظريات العلاج بالقراءة الشاعر العربي: قيس بن الملوح ، قبل أكثر من ألف عام عندما قال:-

 

      ((وما أُشرف الايفــاع إلا صبابةً

            ولا أُُنشـــــد الأشعــار إلا تداويا))

 

وقد صدر لباحث معروف هو أ. شعبان خليفة كتاب يحمل اسم ((العلاج بالقراءة)).

 

** التقنية حفزت على القراءة:  

 

لقد أشرت سابقا إلى أنه لا تعارض بين القراءة عبر الورق أو من خلال صفحات «الكمبيوتر»، ولعلل من أهم أبجديات عالم «الانترنت» أنه شجع على القراءة وحفز عليها وبخاصة الناشئة والشباب فأصبحوا ينكبون على «الانترنت» يقرؤون أو يتصفحون -كما هو التعبير الأكثر شيوعا-..يبقى -مع الأسف- أن أغلب ما يتم التوجه إلى قراءته عبر هذه الشبكة سواء من قبل الكبار أو الصغار مضيع للوقت دون جدوى، حيث التوجه إلى قراءة «ساحات أو مواقع معينة» تجد الإقبال الكبير عليها، والاندفاع نحوها حال الدخول إلى غابات هذا العالم المعلوماتي الحر، وهذا هو الفرق بين اختيار الإنسان لكتاب أو مطبوعة معينة للقراءة يخرج منها بحصيلة معرفية جيدة ومفيدة وباقية، أو أن تكون كل الفضاءات مفتوحة..وأمامه الصالح منها والطالح على حد سواء، لكن الكثيرين يتوجهون نحو الأكثر إثارة وإن كان أقل جدوى وربما الأوفر ضررا – فليس كل قراءة مفيدة.!

 

 

كيف نجعل الناس ـوبخاصة الجيل الجديدـ يقبلون على القراءة؟

 

أشير أولا إلى حقيقة تقول: إنه من أبلغ سبل تفوق حضارتنا الإسلامية على الحضارات السابقة في عصور سالفة هو عنايتها بالفكر والعقل، وهذا لا يتأتى إلا عن طريق البحث والقراءة التي توسع مدارك الأمم والأفراد وتفتح فضاءات العلم والمعرفة واستشراف المستقبل أمامهم، وتجعلهم يحيطون علماً بتجارب وحضارات غيرهم ليفيدوا منها، ويضيفوا إليها.

 

إن المغريات التي تصرف الجيل الجديد عن القراءة كثيرة، لكنا لن نيأس من البحث عن الوسائل لتحبيب القراءة إليهم وإغرائهم بها، وإقناعهم بجدواها ومتعتها، وأهم السبل إلى ذلك: أن نسعى لتقديم العطاء الثقافي والعلمي الجدير بالتسويق الجيد، والحافز على معانقة الحرف.

 

إنه كما يجب علينا توفير الغذاء المادي لأبنائنا وللأجيال الجديدة، فإن علينا أن نوفر الغذاء الفكري لعقولهم، وأن نحرص على إيجاد (مكتبة منزلية) فيها مختلف الكتب التي تحفزهم على القراءة، وليس لمجرد التجميل واستكمال عناصر المنزل فقط، إن التحدي الذي يواجهنا حالياً أن القراءة كما تقول الأديبة أميمة الخميس: ((عادة مكتسبة)) لذا لا بد أن نحاول غرسها بداخل أطفالنا في مرحلة مبكرة من أعمارهم.

 

وقد قال الأديب العربي: فوزي عطوى مقولة صادقة: ((ويل لبيت مطبخه أكبر من مكتبته))! وقد صدق..لأن هذا يعني الاحتفاء بالبطون وإهمال العقول.!

 

** وكيف يتم النجاح لإنسان معطل العقل؟!

 

وكيف لأمة أن تحقق أهدافها وهي بمنأى عن عطاء الفكر الذي يمنحها القدرة على الإبداع والخلود.

 

والغريب أنه على الرغم من أن أسلافنا وأجدادنا كانوا عاشقين للقراءة، وعن طريقها بنوا حضارتهم، وسبقوا العالم في العطاء الفكري والاجتماعي والطبي ، فإننا الآن «شوفة عيونكم» كما يقول المثل الشعبي، وقد حل أبناء الغرب محلنا في عشق القراءة فسبقونا في منظومات البناء، والاكتشاف والإبداع الحضاري والعلمي.

 

لقد قرأت آخر إحصائية عن القراءة في الولايات المتحدة تم نشرها في عام 2005م جاء فيها بالأرقام: ((إنه في عام 2004م تم طباعة أكثر من (21) ألف كتاب جديد بينما في العام الذي سبقه تم إصدار اثني عشر ألف كتاب جديد أي بزيادة 100% عن عام 2003م)) مما يعني إقبال القارئين وزيادة أعدادهم هناك إلى الضعف على الرغم من تقدم ثورة المعلومات وتقنيتها، ووجود وسائل الترفيه لديهم، ولكن عندهم كل شيء له وقته، وله حقه.

 

بل حتى على مستوى قراء الصحف والمجلات في العالم تؤكد الإحصائيات زيادتهم، ففي بحث موثق نشره رئيس قسم الصحافة والنشر بجامعة سيتي بلندن عام 2006م: أوضح أن نسبة عدد قراء الصحف في العالم ازدادت وبخاصة في الدول ذات الكثافة السكانية مثل الهند والصين.

 

** أما في العالم العربي .. فماذا عندنا ؟

 

انظروا إلي الناس والشباب كيف يقضون أوقاتهم، أو كيف يضيعونها بالأحرى دون أدنى عملية توازن بين الجدية والترفيه، وبين تفاهة الأشياء وإثراء العقل، وكم شدني الكاتب د/ محمد الكثيري وهو ينعي في مقالة نشرها في صحيفة الاقتصادية عام 1426هـ عن حال (الكتاب المقروء) والهجر غير الجميل له في ربوعنا وربوع بني يعرب عندما كتب مقارنا ومتألما مثل صاحبكم، وقد جاء فيها:-

 

((تأمل كيف يقضي المسافرون أوقات الانتظار في مطار مثل مطار الملك خالد في الرياض، أو الملك عبدالعزيز في جدة، أو الملك فهد في المنطقة الشرقية، أو غيرها من المطارات المحلية الأخرى المنتشرة هنا وهناك؟ إن الوقت في الغالب الأعم يُـقضى في الثرثرة عبر الجوال حتى يخيل إليك أن جميع أولئك المسافرين ليسوا سوى رجال أعمال أو مسؤولين حكوميين كبار. في المقابل تأمل المشهد ذاته في مطار هيثرو في لندن وأو جي إف كينيدي في نيويورك، أو مطار مونتريال في كندا، أو غيرها من المطارات العالمية المنتشرة في الكثير من الدول والعواصم الغربية تجد العكس، حيث ينغمس الكثير في القراءة والاطلاع على كتاب أو مجلة أو صحيفة)).

 

ولن أقول تعليقا على هذه المقولة ــ وبكل شجن ــ إلا: لقد صدقت.!

 

بقي أن أقول إن الاحتجاج بشح الوقت ليس صحيحاً ولكن القضية قضية تنظيم، ولو خصص المرء وقتاً محدوداً ولو قصيراً جـداً لخـرج بحصيلـة جيـدة مـن القـراءة، وأورد هنا إحصائية دقيـقة بالأرقام أعـدها وأوردهـا أ. زيد الواكـد في مقالة نشـرها بصحيفة "الجزيرة" تؤكد أن أي وقت مهما قصر عندما يخصصه الإنسان للقراءة تكون ثمرته عدداً كبيراً من الكتب في العام، وهذه الإحصائية التي تكشف عن مفاجأة جميلة في عدد الكتب التي يكون الإنسان قرأها آخر العام: ((لو قرأت بواقع ربع ساعة يومياً ولو كانت قبل خلودك للنوم، ستكون حصيلة قراءتك أسبوعياً حوالي ساعتين أي بواقع ثماني ساعات شهرياً بمجموع قدره ست وتسعـون ساعـة سنويـاً أي ما يعـادل قراءة 30 كتابـاً فـي العـام إذا افترضنـا أن قراءة الكتاب بمجملـه قد استغـرق منـك مـن (3-4) ساعات، فهل رأيتم ماذا صنعت الربع ساعة تلك؟)).

 

وبعد: لن أوغل في المبالغة ولن أتوغل في التفاؤل وأراهن على أن الكتاب المطبوع سيبقى الأوحد في فضاء المعرفة ، ولكنني أراهن على أنه سيبقى أحد أهم روافد المعرفة الموثقة من جانب، ومن جانب آخر سيظل سابقا ولاحقا «خير جليس» ينبت شجرات المعرفة، ويؤنس في عتمة الحياة، ويسكب رحيق العطاء في حقول الأفئدة.

 

لقد سئل أحد الحكماء: «ما بلغ سرورك بكتبك فأجاب هي أن خلوت متعني، وإن اهتممت سلوتي، وإن احتجت للرأي فمنجدي».

 

و«زبدة» القول..كما يؤكد «الواقع» وتكشف عنه رغبات الناس، وكما أوضحتُ في هذه الورقة: أنه لا تقاطع إطلاقا ما بين «الثقافة المطبوعة» و«الثقافة الإلكترونية» و«الثقافة الفضائية»، فكل راغب في المعرفة يتلقاها من «النبع» الذي يرد إليه، ويرتاح لـه، ولكل وجهة هو موليها، فلنستبق «رحيق الكلمة» من أي سبيل نرتئيه.

 

** ختاماً:

 

رائعون هم أولئك الذين يرون أن من أجمل الأوقات لديهم هي تلك التي يكونون فيها بين أحضان الحرف، أولئك الذين يجدون أن من أمتع رحلاتهم تلك الرحلة التي يسافرون عبر أشرعتها بين أهداب الكلمات..!

 

أرجو أن أكون وفِِّّقت فيما حبرت.

 

و:-

 

  ((إن كنت قد عبّرت عما دار في خلدي

     فمـا رمــيـت ولــكــن الإلـــه رمــــى))

 

كما يقول الشاعر العثيمين

 

وإلى الملتقى عبر شراع حرف أو قارب كتاب.