🍃رجل من نور
🌱 أ.د. فواز بن عبدالعزيز اللعبون (*)
** إنسان يحب الجميع ولا يعاديه أحد، معطاء بسام، أديب أريب.. نفع وطنه والمشهد الأدبي وظل اسمه علامة نقاء في عالم يضج بالصّخب.
عرفته وأنا طالب جامعي رئيساً لتحرير المجلة العربية.. كنت أزور مقرها وأنشر فيها وكان يستقبلني في مكتبه ويستقبل غيري كما يستقبل كبار المسؤولين بكل حفاوة وإجلال وتحفيز…
وظل كذلك يهتم بي وبأمثالي المبتدئين وغير المبتدئين ويسأل عنا ويدعمنا وما حزتُ في دنياي إنجازاً إلا هاتفني أو أرسل خطاب تهنئة مِلّؤه الحُب والدعاء.
قابلته قبل مدة في مطار الملك خالد عند سير الأمتعة وتجاذبنا أطراف الحديث وكانت حقيبته التي ينتظرها تدور أمام عينيه مرارا ولحظت أنه يَرّمُق حقيبة ثم يصرف نظره عنها، وعرضتُ عليه أن أناوله إياها فذكر أنها تشبه حقيبته ليس أكثر، كل هذا لئلا يقطع حديثه معي من كمال لطفه رغم تعب السفر البادي عليه، وحين انتهى حديثنا مد يده وأخذ الحقيبة التي لم يَمُرّ ما يشبهها كما لم يمر علي في حياتي من يشبه هذا الإنسان النبيل.
الدقائق التي وقف فيها معي تعلمتُ فيها منه كيف يكبر الإنسان وكيف تكبر إنجازاته ويكبر الحُب فيه.
حدثني أنه أصدر أقرب كتبه إليه قبل أشهر.. كان حديثه عن الكتاب حديث عاشق عن معشوق وقبل أن أعتذر عن تقصيري في اقتنائه اعتذر هو عن تأخره في إهدائه إليّ وأصر على أن يرسله إلى باب بيتي، وها هو الكتاب بين يديّ أتأمل في ثناياه سريرة رجل من طراز ملائكي وأقرأ في سطوره بهاء حرف نوراني مرقوش بمداد من ذهب على صفحات من ضياء.
إنه كتاب “مرافئ على ضفاف الكلمة” للأديب النبيل والمربي الجليل أستاذ الجيل حمد بن عبدالله القاضي الذي أودع فيه بعض تأملاته في الحياة والناس والثقافة وأهداه إلى أمه رحمها الله التي فقدها صغيرا ومازال يبحث عن حنانها بين دفء الكلمات.
ولم يزل محافظاً على إنسانيته التي أودعها الله فيه.. لا يتغيّر طبعه النبيل ولو تغيّر كل ما حوله.
لا أنسى أبداً أنه ما بين حين وآخر يرسل لي سائقه بسجادة صلاة أو عود الطّيب الفاخر أو مؤلّفاً من جديد مؤلفاته، هذا إلى تواصله الهاتفي في كل مناسبه مع أن الحق له فهو الأكبر سنّاً وقَدّراً وعٍلما.
هذا كله لا يخصني به.. بل يُتحِف به كل أحبابه وأصحابه وتلاميذه القريب منهم والبعيد.
هذا الرمز رجل المقالة الأقدر والأكبر الذي تتلمذنا عليها صغاراً وكباراً جدير بتكريم خاص.. تكريم من أعلى المستويات فهو والله بعض ما يستحق وحسبنا أننا تعلّمَنا منه الأدب بشقّيّه.. أدب الكلمات وأدب الأخلاق.
إنه مدرسة متكاملة في التسامي والتصالح والتواضع وكأنما أوجده الله بيننا لنتعلم منه كيف ينبغي أن يكون الإنسان في أسمى تجلياته.
ما من أحد كائناً من كان إلا وله أحباب وأعداء وأستطيع استثناء أستاذنا حمد القاضي بكل ثقة واطمئنان فالوسط الذي ينتمي إليه أستاذنا حمد سواء أكان الاجتماعي أو الثقافي هو وسطي الذي أحيا فيه وشهادتي فيه شهادة شاهد عيان لا شهادة مُخَمن أو مجامل، لذلك أؤكِّد أنه من القلائل الذين تجتمع عليهم القلوب.. كل القلوب بمختلف ثقافاتها وتوجهاتها.
هذا الأَشَمّ الخضَمّ لا خصومة له إلا مع الخصومة ولا يَكرَه غير الكُرْه، وله قلب لا يتسع إلا للحُبّ، ويد لا تمتد إلا للعطاء.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* أستاذ الأدب والنقد بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
*من كتاب (سفير الأدباء حمد بن عبدالله القاضي) الذي أصدره نادي جدة الثقافي بمناسبة تكريمه.
