د.عبدالعزيز الخويطر: مواقف مشرقة لا تنسى
حمد بن عبدالله القاضي

د.عبدالعزيز الخويطر رحمه الله
* أفردت لهذا الراحل الغالي كتاباً كاملاً عنوانه:
“د. عبدالعزيز الخويطر وسم على أديم النزاهة والوطن”
والوطن” وعزَّ عليَّ أن يصدر كتابي هذا “غاب تحت الثرى أحباء قلبي” دون ذكر له وهو الذي يسكن وسط قلبي رحمه الله، وهذه شذرات قليلة من سجاياه وبكتابي رويت عشرات المواقف من سيرته
* الصدق عنوانه:
لكل إنسان مفتاح أو مفاتيح لشخصيته وفي ظني أن أحد أهم مفاتيح شخصية الراحل ((الصدق)) رحمه الله الذي هو جماع السجايا والفضائل.
* أذكر أن زرته لأسلم عليه وآنس بجلسته المعتادة وعندما خرجت إذا به – كما يفعل معي ومع غيري – يقوم ويشيعني إلى الباب وكنت وقتها شرفت بالثقة باختياري عضواً بمجلس الشورى فهمس بأذني بكلمات من خلال تجربته العميقة كانت قبساً أمامي خلال عضويتي وحتى الآن :
((احرص على أن تكون صادقاً في أي رأي تبديه وناصحاً لدينك وقيادتك وأبناء وطنك عندما توافق على قرار أو ترفضه.. فالصدق يريحك، ويثمر خيراً لك وللعمل المؤتمن عليه)).
* وموقف آخر وكان وقتها وزيراً للتعليم العالي ومشرفاً عاماً على ((المجلة العربية)) وأنا رئيس تحريرها ، لقد تم نشر موضوع كنت أجزته ثم بعدما قرأته مرة أخرى بعد صدور العدد الجديد لاحظت أنه ما كان يفترض نشره فهاتفته وأفدته عن المقال فبسّط الأمر: وسألني: هل أنت رسول أو زملاؤك رسل قلت له : بالطبع لا، قال: إذن أنتم غير معصومين وأنتم نيتكم طيبة إن شاء الله وأضاف: لقد قرأت المقال عندما وصلني العدد ولم أر فيه خطأ كبيراً ولكن لو تم سؤالك عنه: كن صادقاً وقل ما قلته لي: إنني أجزته، ولكن بعد صدور العدد وجدت فيه أمراً ما كان ينبغي أن ينشر.
كم أراحنى جوابه.. وكم هو مريح العمل مع إنسان صادق.. رحمة الله عليه.
* لماذا أطلق عليه (( رجل النزاهة ))؟
* سؤال مشروع يطرحه من لا يعرفه رحمه الله لكن من عرفه على المستوى الشخصي أو العملي أو (( السفري)) يوقن بأنه – بحق وحقيق – رجل النزاهة – وكما قال أحد عارفيه: “لو لم نر بأعيننا مواقف نزاهته لما صدقناها في زمن أغلب من يعيشون فيه وأمام مغريات الدنيا ينأون عن النزاهة”.
* من النادر أن يجتمع الناس على ((شخص)) ويتفقون على صفاته وأخلاقه.. والراحل العزيز أحسب أن الناس الذين عرفوه أو لم يعرفوه لكن سمعوا عنه أو قرؤوا له أجمعوا على خصال النزاهة والأمانة والعفة التي اتصف بها وطبقها في حياته: رؤية لا رواية وحقاً لا ادعاء.
واللطيف أنه لا يذكر أحد ممن جالسه أو عرفه أن زكّى نفسه، أو نعتها بأي من الخصال رغم تمثّلها فيه.
لكن كانت ((حياته)) هي التي تحكيها وتترجمها ، وكانت القصص التي يرويها أناس عايشوها معه هي التي رسخت هذا الإجماع حوله حتى لقب ب ((رجل النزاهة)) والأمانة.
* أمانته ومندوب المشتريات:
* موقف رواه لي الشيخ حمد بن عبدالعزيز الجميح يقول: إن
مندوب المشتريات سعد الشويعر الذي عمل مع الراحل بجامعة الملك سعود يروي: أننا عندما نريد أن نؤمن أدوات مكتبية أو غيرها للجامعة نأتي له ((بعينة)) ونفيده بالسعر الذي وجدناه فكان يدقق ويقول: أنا اشتريت هذا النوع بأقل من هذا السعر فابحثوا لدى مؤسسة أخرى وكان يردد على مسامعنا: ((لنحافظ على أموال الدولة فهي كأموالنا)).
* للدولة ذمة كما للفرد ذمة:
وروى لي أحد زملائه من الوزراء الأفاضل معالي د/ مساعد العيبان: أنه كان يقول دائماً في اجتماعات اللجنة العامة : ((إن للدولة ذمة كما للأفراد فلنبرىء ذمة الدولة كما نبرىء ذمتنا)).
وكان رحمه الله عندما يعود من الوزارة التي يعمل فيها يدخل سيارة الوزارة في ((كراج بيته)) ولا يستخدمها إلا لمهمة عمله ، وبقية مشاويره يستخدم سيارته الخاصة !.
* نزاهته وموقفه مع ابنه:
* هذا الموقف مع ابنه الوحيد وفلذة كبده م. محمد عندما أراد أن يعمل في أرامكو فوافق – رحمه الله – ولم يكتب شفاعة أبداً بل طلب منه عندما يذهب إليهم ألا يقول لهم: إني ابن فلان.
ولم يلتحق ابنه م. محمد بأرامكو رغم رغبته وذهابه لهم للوظيفة .
أي طراز من النزاهة والعفة هذا الرجل – رحمه الله -؟!.
* جانب التيسير بعمله والرفق بغيره:
* هذا جانب يجهله الكثيرون عنه، وقد بنوا عدم معرفتهم بذلك لما عرف عنه من إتباع للنظام وعدل ومساواة .
فهو – أولاً – إذ رأى أمانة المسؤول الذي يعمل معه يعطيه الصلاحية التي تجعله مخوّلاً بإنجاز العمل وخدمة الناس، ومن يعرف منكم مسؤولاً عمل معه بإحدى الوزارات والجهات فليسأله وليطلب منه موقفاً يؤكد ذلك .
وهو – ثانياً – عندما يقتنع بشيء وبخاصة من المسؤول الذي خبر نزاهته فإنه يتخذ القرار بكل شجاعة ، بل يطوع النظام لذلك مادام فيه مصلحة عامة، وما أكثر ما فعل ذلك وبخاصة: وزارة المعارف ومنها :
إمضاؤه)) نظام المعلمين ((ورفضه إلغاءه أو إنقاص مستوياته فهو – كما يقول – حق اكتسبوه وهم مربو الأجيال وعلينا أن نكرمهم ليكرموا أجيالنا ويخلصوا بتعليمهم وتربيتهم، كما ورد في الموقف السابق الذي رواه وكيله.
وفي الجانب الشخصي كان لا يريد أن يشق على مسؤول أو موظف بما يصعب عليهم، وكان رفيقاً بالسائقين والمستخدمين الذين معه إلى درجة عجيبة.
* وأخيراً إنتظاره لسائقه ليشرب قهوته!
مرة كان وزيراً للمالية بالنيابة، وأنهى الأوراق التي لديه ونزل إلى السيارة وإذا السائق لم يأت ، وظل واقفاً ينتظر وأحرج من يمر من عنده – رحمه الله – فالوزير واقف ينتظر فما كان من أحدهم إلا أن أخبر معالي أ. محمد المزيد فنزل إليه معتذراً وطلب أن يستريح بالمكتب فقال له: رحمه الله “السائق موجود وكنت كلمته قبل أن أنزل ، ولكن أفادني أنه بغرفة القهوة ولعله لم ينته بعد فلا تقولوا له شيئاً وأنا دَعني أجرب نفسي هل أتحمل الوقوف الطويل أم لا وكان وقتها قد أجرى عملية لركبتيه”.
