الراحلان : الشيخ محمد الغزالي والمفكر خالد محمد خالد
حمد بن عبدالله القاضي

غيب الموت من دنيانا ومن ساحة الفكر الإسلامي مفكرين إسلاميين لا يجود الزمان بمثلهما .. عطاء متوهجا، وفكرا مستنيرا ..! وكم هو مؤلم فقد أمثال هؤلاء المفكرين .
أولهما : الشيخ محمد الغزالي الذي مات وهو في لحظة جهاد، تماما كما كانت كل لحظات حياته .. مات وهو يشارك – كما هي عادته – عن الإسلام والحوار.!
سقط كما يسقط الأبطال في ساحة القتال .. سقط شامخا .. وهو يتهيأ للحوار والمنافحة عن قضايا الإسلام وطروحاته ..!
إنني لا أنسى ذلك اليوم الذي حضرت فيه محاضرة له في مصر، وكيف كان يجيب عن الأسئلة، بعد المحاضرة، يفكر الواعي، وقوة الواثق، وحجة المسلم المثقف ..!
وكم شدتني قوته .. بل وانفعاله. انفعال الغيرة الواعية.
عندما كان يسأل أسئلة فرعية، فيغضب غضب الغيور الواعي على السائل كيف يسأل هذا السؤال؟! والمقام مقام ترسيخ إيمان وتثبيت عقيدة الإيمان بالله والدعوة إلى الدخول في الإسلام .
إن الشيخ الغزالي داعية ظل طوال عمره يدعو إلى دين الله وما وني ولا ضعف حتى وهو يشرف على الثمانين من عمره، وهو كما يشدك – رحمه الله- طرحه القوي يشدك أسلوبه الأدبي البليغ ..!
إنني منذ قرأت له أول كتاب ، وأنا لا أجد له كتابا إلا وأحرص على الاطلاع عليه، ولا أرى له مقالة منشورة إلا وأقرؤها وأحتفظ بها.
لقد كانت وصية الراحل وهو يودع ابنته عفاف : أن عليك بالتقوى والصبر.
ولعل هذه هي رسالته إلى كل مسلم ومسلمة .. رسالته التي عاش لها ومن أجلها.
***
والراحل الآخر الذي رحل هو خالد محمد خالد، إنه صنو الغزالي ! ولقد بدأت رحلتهما الفكرية معا اختلفا أول الطريق ثم التقيا على محجة الإسلام.!
وذلك عندما ألف الراحل خالد محمد خالد كتابه «من هنا نبدأ» فرد عليه الشيخ الغزالي بكتابه «من هنا نعلم !..»
ثم بدأ الأستاذ خالد محمد خالد رحلته الإيمانية مع تاريخ الإسلام، ومن المنافحة عن قضايا الإسلام بقوة وشموخ كما هي قوة وشموخ صنوه..!
إنني أتذكر قبل سنوات كأنها الآن عندما جاء إلى المملكة بعد حرب الخليج، وبعد أن نشر تلك المقالات النارية التي كان يدافع فيها عن الحق، وكانت هذه الموضوعات تقع على النظام العراقي كأنها شواظ من نار ..! وأذكر عبارته التي قالها في برنامج «رحلة الكلمة » التلفزيوني ودمعت عينه : ليتني يا بني ذو قوة فأحارب بيدي وليس بقلمي .
إن الأستاذ خالد محمد خالد – رحمه الله – جلى التاريخ الإسلامي بكتابته عن عظماء الإسلام، وفي مقدمتها كتابه «رجال حول الرسول ». وأحسب أن هذا الكتاب لم يكتب تاريخا، بل كتب شعرا باهرا وظف فيه حقائق التاريخ بين سطوره، وإنني لأدعو كل من لم يقرأ هذا الكتاب إلى قراءته .. إذ سيجد بين دفتيه الفائدة والمتعة .. الفائدة لعقله وفكره ، والمتعة لقلبه وذوقه..!
إن خالد محمد خالد – رحمه الله – كما هو الغزالي، معلق ببلاد الحرمين الشريفين، فقد أبلغني الأستاذ الصديق الكريم عبدالرحمن بن صالح الشثري، أنه اتصل به قبل يومين من وفاته يسأل عن صحته، فأفاده الراحل «بصوت متهدج» أنه بخير ثم أضاف – رحمه الله – وأنتم كيف أحوالكم .. كيف هي بلادكم ثم صمت متأثرا ثم قال : إذا كانت بلاد الحرمين بخير فأنا بخير – رحمه الله ..! .
وإذا كان هذان المفكران رحلا فإن عطاءهما في خدمة هذا الدين القويم باق .. ومسيرة الإسلام مستمرة ..! .
رحمهما الله بقدر ما قدما لدينهما من عطاء بالكلمة وبالحوار، وبالمنافحة وبمواقف الرجال.. الرجال ..! .
