ورحل عاشق الأرض الشيخ حمد الجاسر
حمد بن عبدالله القاضي

هي مرات قليلة التي أجد فيها القلم يهزم رغبتي وحاجتي إلى الكتابة رغم طول العشرة معه ومعها.
وهذه إحدى المرات التي أحاول فيها أن أستنجد بقلمي ليخفف من لوعتي على فراق والدي الروحي حمد الجاسر رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.!
لقد كنت أتأثر وأتألم عندما لا أستطيع زيارته ورؤيته في الدنيا عندما كان في المستشفى فكيف الآن وهو قد غاب عن دنيانا ولم يرحل عن قلوبنا وسطور محابرنا وصفحات كتبنا.
إن حالتي الآن كحالة الشاعر الذي هزمته قافيته عند رثاء أحد الغالين عليه فقال:
وما قصرت في فزع ولكن إذا غلب الأسى عز البكاء
أجل،.
إذا غلب الأسى عز البكاء
وعز الحرف
وعز الكلام
- • هذا الراحل الذي كتب التاريخ، وعشق التاريخ، ها هو يكون سطراً من سطور التاريخ الذي أملاه وكتبه.
إن عزاءنا جميعا أننا نحس أن الشيخ حمد الجاسر لم يرحل عنا،.
وكيف يرحل وهو الذي أبقى هذه الأسفار الخالدة التي كتبها عن هذه الأرض ومستأرضيها،!
كيف يرحل وهو الذي دون التاريخ حتى صار في واحدة من أنصع صفحاته.
كيف يرحل وهو الذي أبقى هذه الآثار من عطائه وأسفاره.
ألم يقل الجواهري:
الخلد عمر المبدعين وليس لباقي الناس عمر
- • الشيخ حمد الجاسر
الذي عشق الأرض وديانا وجبالا وترابا وأشجارا
هاهو يعود إلى أمه الأرض والذي كان من أكثر الناس
وفاء لها، وإيفاء لحقها وحبا لميراثها وتراثها
كبير بعدك الحزن
ياشيخنا ووالدنا ورائدنا
ولكنها إرادة الله
التي قضت برحيل كل إنسان
صغيراً أو كبيرا
عظيماً أو حقيرا
عالما أو جاهلا
ترى،،!
ما هو حجم حزن بنيته الغالية التي عاش لها ورباها على مدى ثلاثين عاماً)) مجلة العرب ((التي أنشأها للعناية بتاريخ العرب وتراثهم وجغرافية بلادهم،،!
إنها إحدى اليتيمات اللاتي تستحق الرثاء حقاً فمن سوف يرعاها ويحنو عليها،.
هل سوف تغيب في الثرى كما غاب راعيها ووالدها،،!
وبعد،،!
هنا أتوقف عن كلمات رثائي عجزاً وانهزاماً أمام رحيلك، واستجابة لرغبتك التي كنت تبديها لمحبيك في الفترة الأخيرة ألا وهي البعد عن إطرائك والحرص على الدعاء لك، وكانت هذه آخر وصية تلقيتها منك في آخر رسالة وصلتني .
عندما كنت أجلس إلى والدي الروحي الشيخ حمد الجاسر – رحمه الله – أحس أن اللحظات تهرب من زمني كما يهرب الماء من باسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه.
إنني كم كنت أسعد وأستمتع عندما أجلس إليه وهو يروي ذكرياته التي هي مزيج من مذاق الفرح ومرارة الدموع.
وهي ضرب من تعب الأسفار للحصول على مخطوطة.
وهي قصة من حياة الرجال ذوي النفوس الكبيرة رغم قساوة الظروف آنذاك.
هذا العَلامة والعلاَّمة بفتح الأولى وتشديد الثانية الذي أستعيد الآن عنه كلمات كتبتها عنه ذات عام كُرّم فيه وقلت فيها : لقد فقد أمه،، فكانت أمه الأخرى هذه الأرض فكان قدره أن تكون حضنه، وكان قدرها أن تكون أمه فحنا عليها وحنت عليه حنوّ المرضعات على الفطيم إذ صادق أحجارها وأشجارها وجبالها وتألق معها، وعرف بها،، والتفت إلى تاريخها فجلاه، وإلى رجالها الغابرين فعاش معهم حتى أخرج كنوز هذه الجزيرة العربية وبلورها وعرّف بها وأظهرها حتى استوت على سوقها.
لقد كاد الشيخ حمد الجاسر يكون فلاحاً يزرع القمح كأيِّ فلاح بسيط. ولكن أراد الله أن يكون فلاحاً يذرع الأرض، ويزرع القرطاس ليدون التاريخ، ويحفظ الذكرى والذاكرة ويسهم في حفظ أمجاد الجزيرة.
إن حمد الجاسر وهو أكبر من كل لقب عندما يتحدث أو يكتب فإنه تاريخ يسجل ووطن ينطق وحب يتدفق أجل،، حب يتدفق لهذه الأرض ومستأرضيها كما يقول الأستاذ المرحوم محمد حسين زيدان،!
ورغم مهابة هذا الرجل وجديّته فهو ذو سماحة في الحديث، وبساطة في اللقيا، وظرافة في جلساته الخاصة ويعرف ذلك خاصّته.
إنه أحياناً يبتدئ بالطرفة ليريح أحباءه ومريديه،!
اللهم اغفر لشيخنا الراحل حمد الجاسر بقدر ما أعطى وقدم وبذل في سبيل خدمة دينه ووطنه الصغير ووطنه العربي الكبير،، اللهم تقبله قبولا حسنا،، واجعل ما اعتراه من أسقام في أخريات حياته مكفراً لسيئاته، ورافعاً لدرجاته في جناتك.
اللهم اجمعنا بشيخنا وكل الغالين علينا في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
