الأديب الشيتي: الذي عاش باسماً ورحل صامتاً
حمد بن عبدالله القاضي

طيب كطفل .. وديع كطائر .. صادق كحنان الأم.!
لم أره – يوما – رحمه الله – حاقدا على إنسان ، أو ساخطا على الحياة أو ناقما على موقف، كانت الابتسامة هي هواه وهوايته .. أو بالأحرى هي مهنته، كما وضعها في عنوان أحد كتبه.
إنه الراحل الأديب الصديق عبدالله الشيتي، الذي فارق هذه الدنيا بعد أن تعب كثيرا .. ومرض كثيرا .. لكنه مع كل ذلك لم ييأس أبدا ولم يشك أبدا.
لقد التقيته عند آخر زيارة لي إلى الكويت قبل حوالي شهرين لحضور مناسبة مرور أربعين عاما على قيام «مجلة العربي..» وجدته كما عهدته مزهوا بالأمل رغم ألم جسده ، مترعا بالفأل رغم سقم أعضائه، نابضا قلبه بالفرح رغم تقطع نبضات قلبه ، كان يضحك كأنه أكثر الناس صحة، ويروي «النكتة » كأنه أوفرهم مرحا ، وقد رأيته – قريبا من الله – كما لم أره من قبل ، وعندما جاء إلى الرياض إلى هذا الوطن الذي أحبه بكل صدق .. كنت على موعد لزيارته بفندق «قصر الرياض » .. وفعلا جئت إليه ظهر ذلك الخميس .. ويا لشد فجيعتي عندما فجعني مسؤول الاستقبال قائلا : «إن الأستاذ عبدالله الشيتي تم نقله بالإسعاف إلى المستشفى في حالة خطرة ».. وعندما تبينت الأمر علمت أنه أصيب بجلطة في دماغه – رحمه الله – وزرته ولم يشعر بي، وهو الذي كان يفيض سرورا عندما يرى صديقا أو عزيزا.
ودعته وقد أخفيت دمعة في عيني، وكتمت «آهة » في قلبي ، وظللت أتصل بزوجته الصابرة الملازمة له في المستشفى – رحمه الله -.. وأتواصل مع ابنه «سعد » الذي جاء من الكويت ليكون بجانب والده.!
وظل أياما بين الحياة والموت، وقد وجد من هذا الوطن الذي أحبه، ووجد من مسؤوليه وأصدقائه فيه كل الاهتمام والمحبة، وفي مقدمة هؤلاء الأمير سلمان بن عبدالعزيز والأمير فيصل بن فهد اللذان أولياه كل الرعاية وكل الاهتمام في مستشفى الملك فيصل التخصصي، وقد تابع سموهما وضعه وهو في هذا المستشفى، بل إن الأمير سلمان كان في رحلة خارج المملكة، وكان يتابع وضع هذا الأديب الراحل.
وعندما رغبت أسرته الانتقال إلى الكويت عندما أفاد الأطباء أن رحلة الشفاء قد تطول تم نقله بطائرة الإخلاء الطبي إلى الكويت.!
وكأن الله أراد له أن يكون آخر بلد يزوره ويودعه هذا الوطن الذي أحبه.
وكأن الله أراد له أن يموت في الكويت التي عاش فيها وأحبها وأعطاها من نبض قلبه، وبياض قلمه، وجميل حرفه، وصادق عطائه .
إن الراحل عبدالله الشيتي – رحمه الله – كاتب مجيد وملتزم .! لقد كان متواصلا معنا في «المجلة العربية » عبر زاويته «من الحياة » وكان لا يتوقف – طوال السنوات الماضية – عن إرسالها إلا عندما يعتريه المرض، وخصوصا في ثلاث السنوات الأخيرة.!
إني لأعجب من صبره .!
فهو رغم كل الآلام التي يحملها من غربة، وظروف خاصة، وفقد ابنه، وهو في عز الشباب، إلا أنه كان صابرا باسما، كان يعطر المجالس بحلو حديثه، وجميل طرفه ..!
لم أره – رحمه الله – إلا متفائلا .. إنه يريد أن يدخل السرور إلى قلوب الناس إنسانا وكاتبا .. وعندما حان فراقه .. كان الصمت رفيقه .. وكأنه – رحمه الله – لا يريد أن يزعج أحدا بشكوى أو يؤذي صديقا بألم .!
لقد عاش باسما .. ورحل صامتا .. رحمه الله .
