الشيخ محمد النويصر: رحل الإنسان وبقي مضيء الأعمال
حمد بن عبدالله القاضي

لم أتعامل أو أعمل مع معالي الشيخ الراحل محمد النويصر – رحمه الله – ولم ألتق به سوى مرتين، لكن أشعر أنني أعرفه كثيراً وإنني التقيته عشرات المرات ذلك أن هذا الرجل لا يغيب الحديث عنه مع العديد من الذين عملوا معه أو تعاملوا معه واقتربوا منه.
إن خصاله التي امتاز بها خصال يندر مثيلها ولا نملك إلا أن نحبه عندما كان بيننا، والآن ندعو له بالرحمة وقد غادر دنيانا.
• •
الشيخ محمد النويصر رجل ((استثنائي)) .. ظل في أهم مواقع صنع القرار ما يقارب نصف قرن ولم يبدل في خلائقه تبديلاً، كان صبوراً جلداً على العمل، يتضاءل عمل عشرات الرجال عند عمله، وكان ذا ((صمت)) يحير العقول ، فضلاً عن استقامة على الطريق لم تتنكَّب أو تتحول.
أما تاج سجاياه فهو بذله للمعروف لمن يعرفه ولمن لا يعرفه ، ولن أنسى ذات مرة عندما كتبت له خطاباً مرفوعاً إلى الملك فهد – رحمه الله – بشأن علاج مواطن عزّ علاجه داخل المملكة ، ولم تمض ثلاثة أيام إلا وإذا بي أتلقى هاتفاً وإذا بي أسمع صوتاً لم أستمع إليه قبل هذه المرة وإذا به يبادرني بعد السلام قائلاً أنا محمد النويصر ولأني لم أتوقع اتصاله شخصياً سالته: هل أنت الشيخ محمد؟ فأجاب بتواضع: أنا محمد النويصر من الديوان ثم أعطاني رقم الأمر الكريم بعلاج المواطن.
لقد عاش الشيخ محمد مع ملوك بلادنا بدءاً من الملك عبدالعزيز رحمه الله، ثم الملك سعود، ثم الملك فيصل ، ثم الملك خالد، ثم الملك فهد رحمهم الله، ثم خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز حتى طلب الإعفاء عندما شعر أنه أدى رسالته.
• •
لقد كان رحمه الله موضع ثقة ولاة الأمر ، حيث ظل رئيساً للديوان الملكي 42 عاماً، وكانت أهم مفردات عمله وتعامله التي لم يتخل عنها: النزاهة،
والإنجاز، والمتابعة الدقيقة، ومن توفيق الله لقادة بلادنا عَمَلُ هؤلاء الرجال
معهم ، ألم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث صادق عظيم: ((إذا أراد الله بالأمير خيراً جعل له وزير صدق إن نسي ذكّره، وإن ذكر أعانه)).
وقد كان الشيخ النويصر واحداً من هؤلاء المسؤولين المخلصين الذين يعينون عند الذكر، ويذِّكرون عند النسيان غفر الله له ورحمه.
• •
لعل أصدق وصف هو ما نعته به صديقه ونظيره بالإخلاص والأمانة معالي د/عبدالعزيز الخويطر عندما قال عنه في سطور رثائه: ((نجم أفل كان ضوؤه باهراً، ونفعه عميماً، رضع لبان العمل منذ أن كان صغيراً، في وقت عزّ فيه الموظف المتميز، تدرج في العمل، ولنباهته وإخلاصه، وإدراكه لواجبه الوطني أخذ يترقى تدريجياً حتى أصبح رئيساً للديوان الملكي، وقد ترك أثراً حميداً في أنفس الذين عرفوه، ولمسوا فيه حب المساعدة، وحسن متابعة عمله بصورة جعلت منه قدوة في الدوائر الأخرى. لا تمر به معاملة صاحبها صاحب حق إلا اطمأن إلى أنها سوف تنتهي بما يرضيه. لقد كان أميناً في عمله – رحمه الله – وفياً له بما يجعله مؤدياً لأغراضه، استفاد من توجيه الملوك الذين خدمهم عن قرب، وأخذ توجيههم، فانصبغ بصبغتهم في خدمة العمل خدمةً تأتي بنفعه الكامل)).
• •
إنني أحسب أن الشيخ محمد – رحمه الله – وجد راحته في تعب عمله ولكأن الشاعر الحكيم المتنبي يعنيه وأمثاله عندما قال:
« بَصُرتَ بِالراحَةِ الكُبرى فَلَم تَرَها
تُنالُ إِلّا عَلى جِسرٍ مِنَ التَعَبِ»
والشيخ محمد عاش حياته في توازن عجيب.. لقد أعطى عمله حقه كاملاً في نأي بل في زهد بالأضواء التي تحرق أكثر مما تورق، وفي ذات الوقت لم ينس حق ربه ثم أسرته، وكان حبه لمساعدة الناس وقضاء حوائجهم انطلاقاً من فطرته في حب الخير ثم ما رآه من حرص وحفز ولاة الأمر على هذه السجية، ونادراً أن تجد مواطناً زاره إلا وقد تحقق له ما أراد وفق ما تقتضيه الأنظمة التي يوظف مرونتها لخدمتهم.
لقد كان – رحمه الله – كبيراً في أخلاقه وخلاله، يحب الجميع، ويشجع العاملين، لقد امتلأ قلبه بالعطاء والإيثار.
ختاماً: كان الشيخ محمد النويصر في غاية الالتزام في حضوره وعمله ومواعيده سيان في ذلك على مستوى العمل الرسمي أو الشأن الحياتي وحتى مواعيد المشي ، فقد كان يمشي كل يوم بعد صلاة الفجر وفي أي مكان يكون فيه.. وهذا ))الالتزام(( هو الذي جعل وقته مباركاً في الإنجاز والمتابعة.. رحم الله الشيخ محمد وجعله من الآمنين يوم القيامة، فقد كان باذلاً للمعروف، مؤدياً للأمانة، متفانياً في خدمة دينه ووطنه وأبناء وطنه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
انتقل إلى رحمة الله عام 1430 هـ.
