الشيخ التويجري والفكر الذي استحال إلى تراب
حمد بن عبدالله القاضي

(لغز الحياة وحيرة الألباب
أن يستحيل الفكر محض تراب)
منذ وصلني خبر رحيل معالي الشيخ عبدالعزيز بن عبدالمحسن التويجري – رحمه الله – طرأ على بالي هذا البيت الشعري لقائله الفيلسوف، فما أقرب انطباق رؤية هذا الشاعر عليه.
رحل الشيخ عبدالعزيز بفكره المتوهج وعطائه الكبير، ورؤاه المستشرفة لمستقبل هذا الوطن الذي كان يحمله في وجدانه إحساساً، وبعقله فكراً، وبعطائه جهداً وحرفاً.
كان – رحمه الله – واثقاً من آرائه، مقنعاً بطرحه في كل ما يتعلق بدينه ووطنه، ومَنْ حضر مجلسه وهو يحاور النخب الثقافية العربية التي كانت تختلف معنا يدرك مدى عمقه وثقافته وقدرته على الإقناع حتى يتم معه المحاور المخالف في قناعة وقبول بل وربما تبنٍّ لما طرحه الشيخ رحمه الله.
لا أزال أذكر عندما طلبت منه قبل سنوات إجراء حوار ثقافي معه في برنامج (رحلة الكلمة) التلفزيوني وعرضت عليه إرسال الأسئلة ومحاور الحوار له قبل التسجيل ولكنه رد عليه: رحمه الله: (لا ترسل لي يا ولدي شيئاً، وتعال إليَّ غداً عصراً للتسجيل) ثم أردف كعادته في تواضعه العجيب: (ما أنا إلا بدوي وسوف أجيبك بما ألهمتني إياه صحرائي) وكم كان عاشقاً لهذه الصحراء وأهلها.. منحها ذوب عطائه، ونضارة عمره رحمه الله.
أذكر موقفاً آخر وما أكثر المواقف مع غيري ومعي وبخاصة أهل الكلمة والقلم: أذكر أن كاتباً شكك في تأليف الشيخ لكتابه عن المتنبي لما رأى فيه من أسلوب متميز ورؤى عميقة، وحاورت هذا الكاتب ولكن لم يقتنع، وكنت سوف أزور الشيخ عبدالعزيز في ذلك اليوم وطلبت منه أن يصطحبني إلى الشيخ بل طلبت منه أن يطرح شكه في اقتدار الشيخ على التأليف وأستغرب ذلك كيف أطرح الأمر أمامه قلت لا عليك: اطرح ما ترى ولن ترى إلا خيراً.. وفعلاً ذهب معي، وتحدث مع الشيخ عبدالعزيز عن كتابه الجديد بما يسيء ببعض تصوره وشعر الشيخ بذلك فما كان منه، رحمه الله، إلا أن طلب الكتاب، وأعطاني إياه ثم بدأ يملي عليَّ إهداءً لكتابه لأحد الأدباء الذين أعرفهم، وهذا الكاتب كان يسمع إملاء الشيخ وإهداءه الذي كان قطعة أدبية وفكرية يمليها والناس يستمعون وهي لا تختلف عن أسلوب وأفكار ما طرحه في كتبه فما كان من هذا الكاتب بعد انتهاء الإهداء إلا أن صارح الشيخ بشكوكه ولكن – كما قال – عندما سمع ما أملاه اقتنع بفكر وثقافة واقتدار الشيخ على التأليف والإبداع.
إنني أتمنى – وقد غادر هذا الرجل دنيانا – أن يتصدى أحد محبيه القادرين على تدوين مسيرته العملية والفكرية – ولو كان موجوداً لرفض ذلك – رحمه الله – ولكن سيرته الآن ملك لهذا الوطن وأجياله، وهو الذي عاصر بواكير وحدة وتنمية هذا الوطن، وعاش – رحمه الله – حتى رأى بلادنا تتنافس على زمالة الكبار حضوراً سياسياً واقتصادياً وحضارياً، إن في سيرة الشيخ التويجري ما يستحق البقاء والتدوين والإفادة من التجارب التي مرت عليه في ميادين الحياة والعمل والتحليق في فضاءات التجارب وهو الذي لم يعشها بوضعه مسؤولاً فقط، بل بوضعه صاحب رأي عميق.
رحم الله الشيخ عبدالعزيز التويجري بقدر ما خدم دينه ووطنه وثقافته وجمعنا وإياه والغالين علينا في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
حمد بن عبدالله القاضي – عضو مجلس الشورى
