logo

Select Sidearea

Populate the sidearea with useful widgets. It’s simple to add images, categories, latest post, social media icon links, tag clouds, and more.
hello@youremail.com
+1234567890

الراحل الشيخ محمد السبيعي: رجل التواضع والعصامية والنأي عن الأضواء

حمد بن عبدالله القاضي

الراحل الشيخ محمد السبيعي: رجل التواضع والعصامية والنأي عن الأضواء

حمد بن عبدالله القاضي

  

* هذا الراحل العزيز من جيل أدرك نعمة الله عليه، بعد عناء وكفاح وقد عرف قدر هذه النعمة فكان من أبرز سماته التواضع والبساطة والوفاء وعمل الخير بصمت وبعيداً عن الأضواء.

الشيخ العصامي محمد بن إبراهيم السبيعي عليه رحمة الله، كانت رحلته الحياتية في بواكير صباه وشبابه شاقة حيث خرج من مسقط رأسه “عنيزة” صغيراً معدماً فبدأ مسيرة العصامية والعمل والاشتغال بأبسط الأعمال وشاركه منذ البداية شقيقه ورفيق دربه الشيخ عبدالله حفظه الله وكان الشيخ محمد يردد دوماً: أن ما وصل إليه من سعة الرزق والخير العميم حصل بعون الله ثم بتكاتفه مع شقيقه.

كنت أرى البساطة والتواضع ونسبة كل ما وصل له إلى ربه سبحانه وتعالى لمست وسمعت ذلك عندما كان يزور عمي محمد شقيق والدي والأعمام عبدالله وعبدالعزيز العبدالرحمن رحم الله الجميع سواء بدوريتهم الأسبوعية

أو ببعض المناسبات أو بطلعاتهم للبر “الكشتات” ولا أنسى “طلعة بر” حيث ذهبت مع عمي محمد أول ما جئت للرياض من عنيزة للدراسة بالجامعة، وكانت رحلة ممتعة حقاً تحت القمراء وحول النار وكان أبو إبراهيم رحمه الله هو نجمها بأحاديثه الماتعة وبقراءة بعض القصائد بصوته وكأني أسمعه الآن، وأذكر حديث عمي عن رحلته مع الشيخ للهند وذكره بعض المواقف الجميلة، وكان يطلق عليه “ملح الرحلة”.

من السجايا التي يتمتع بها الراحل رحمه الله وفاؤه لمسقط رأسه “عنيزة” فلم يتنكر لها بل كان وفياً لها ويوالي زيارتها ويسهم بتطويرها ويختار رحمه الله أكثر الجوانب التي تنفعها وتنفع أهلها، فعندما رأي حاجتها إلى

“فندق” أقام أول فندق فيها لخدمتها وخدمة زوراها كما قال لأهل عنيزة ولازال الفندق يحقق هذا الهدف، ولعل تاج أعماله المباركة التي قصد بها وجه الله وخدمة المرضى إنشاؤه صرحاً طبياً كبيراً للنقاهة وخدمة ورعاية كبار السن ومن يحتاج إلى رعاية صحية طويلة وقد عم نفع هذا المستشفى ليس لأبناء عنيزة فقط بل أبناء منطقة القصيم عامة.

إن كثيرين يفعلون الخير ولله الحمد لكن البعض منهم لحرصهم الشديد عليه يتحايلون من أجل فعله روى لي م/ عبدالعزيز بن صالح الجهيمان مدير إدارة الأوقاف بشركة الشيخ محمد وأولاده أنه رحمه الله علم أن أحد أقاربه منوم بالمستشفى فاستدعى م/ عبدالعزيز وأبلغه بتحمل جميع نفقات علاجه ولما أخبره م/ عبدالعزيز بأن قريبه ميسور الحال قال له أبو إبراهيم إن لم تخبرني بالتكلفة وتأخذ الشيك سأتواصل مع المستشفى وأعرف حسابهم وأحول لهم المبلغ.

وبمقاله الرثائي ذكر د/ سليمان السماحي زوج ابنته: أنه كان يوصينا بعدم الحديث عن أعمال البر والإحسان للمحتاجين التي يقدمها أو تقوم بها مؤسستهم الخيرية التي أقامها مع شقيقه الشيخ عبدالله فهما يشتركان باخفاء ما ييسر الله لهم من أعمال الخير.

أذكر للراحل العزيز هذه المواقف للمزيد من الدعاء له، وأسأل الله أن يكون من الذين ينطبق عليهم قول الرحمن ” الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم” أما بساطته وتواضعه فقد كان ذلك فطرة لديه لا يفتعلها أو يتكلفها سواء عندما يدخل مجلساً، أو يزوره أحباؤه بجلسته الأسبوعية وحتى عندما يلتقي الناس بأي موقع، وكم أسعد عندما أتصل به للسلام عليه أو الحدبث معه ثم بعد السلام يفاجئني بسماع بعض الأبيات من شعره مما يجعل حديثي معه جميلاً وأريحياً يزيل كل فوارق العمر، وكان أمره عجباً بزيارة الناس والتواصل معهم بمناسبات العزاء والأفراح حتى عندما كبر سنه، وأذكر عندما زارنا ببيتي للتعزية بوفاة أختي وهو يتوكأ على عصاه غفر الله لهما جميعاً.

أحسب أنه لم يورث أبناءه ذكوراً وإناثاً المال فقط بل أورثهم هذه السجايا من الجدية والبساطة والوفاء، وهذا من توفيق الله له ولهم.

وبعد:

كتبت هذا المقال وأنا مسافر عندما انتقل الشيخ محمد لرحمة ربه، وقد ظللت أتأمل مسيرة رحلته بهدوء بعيداً عن المكتب والالتزامات الرسمية والاجتماعية وقد فضلت نشر المقال بالكتاب بدل الصحيفة ليبقى للأجيال تذكيراً ودعاءً.

وإذا كنت كتبت هذا المقال بعد أن غادر دنيانا فإني أختمه بفقرة وردت بكلمة كتبتها عن الراحل في الكتاب التي عنيت به ابنته وهو بيننا أ/ هدى:

((تقديم تجربة هؤلاء العصاميين “جيل الطين” كما يسميهم الأديب الراحل محمد حسين زيدان وعرضها أمام الأجيال الجديدة رسالة بالغة الأهمية منهم لجيل “الصين” ليدركوا أن النجاح لا يأتي إلا عبر دروب العناء والجهد والعرق والله سبحانه يقول (ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة)، والشاعر الحكيم المتنبي يقول:

بصرت بالراحة الكبرى فلم ترها

تنال إلا على جسر من التعب

والشيخ محمد السبيعي أيقن هو الآخر أن النجاح لا يجيء عبر ضربة حظ أو ضريبة صدف وأدرك أن الراحة لا تنال إلا على جسر من التعب وأن التفوق في الحياة ليس تنظيراً في مجلس أو تحليقاً في عالم الأحلام بل إن الأمر بعد توفيق الله تخطيط وجهد وعدم ركون إلى فضاءات التعثر بل هو الانطلاق منها إلى مدارات الطموح والإبداع والعطاء)).

أخيراً: أوصي لمن يريد أن يعرف عصامية وإنسانية وسجايا هذا الراحل أن يقرأ الكتاب التوثيقي الذي ألفته ابنته الأديبة البارة هدى بنت محمد السبيعي “رحلة الغنى والفقر” ففيه من المواقف العجيبة التي عاشها ومرت على الشيخ محمد ما يثري المطلع عليها ويفيد الجيل الجديد ولعل أهمها أن سر نجاح الشيخ محمد هو إلتزامه بالصدق والأمانة والوفاء بالعهد فهذه بعد  توفيق الله هي سر وسبب ما وصل إليه من مكان ومكانة.

جعل الله ما قدمه هذا الراحل من الباقيات الصالحات له عند ربه ووفق الله أبناءه وبناته للسير على نهجه.

رحم الله الشيخ محمد إبراهيم السبيعي رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته.