هذه الزميلة ورحيل الأم
حمد بن عبدالله القاضي

أعرف مدى فجيعتك أيتها الزميلة العزيزة:
فاطمة بنت فيصل العتيبي بفقد والدتك – رحمها الله – ولا ينبئك مثل خبير.
لكن أعرف أكثر إيمانك بخالقك واهب الحياة، وخالق الموت الذي قال في محكم الكتاب: «كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام » (سورة الرحمن، آية : 26 ، 27).
أيتها العزيزة: عظيم هو فقد الأم..!
ولكن أعظم من ذلك الإيمان بقضاء الله وأن ما قدره سوف يكون.
هنا فقط تسكن الطمأنينة جوانح الإنسان، ويستوطن الصبر غرفة قلبه.
وحسبنا وحسبك قول خالقنا: (وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابًا مؤجلا) سورة آل عمران، الآية: 145 .
أيتها العزيزة: ليست هذه كلمات عزاء فقط. ولكنها مشاركة لك في أوجاعك، ومقاسمة لأحزان قلبك. لكم كان قلب أمك – أيتها العزيزة – حنونًا ودافئًا تمامًا هو كقلب «عنيزتك » التي غادرتها مسكنًا لكنك لم تغادريها سكنًا دافئًا وحنونا..!
عزاؤك أنك أغترفت من نبع هذا الحنان – حنان والدتك رحمها الله – حتى جاء الأجل المحتوم.
حسبك أيتها العزيز رضاء بقضاء الله قول ذلك الحكيم:
«إذا قضى الله فاستسلم لقدرته ما لامرئ حيلة فيما قضى الله»
أجل.. إذا قضى الله فلنستسلم لقضائه وقدره.
لنشعر عندها بمطر الراحة يفيض على قلوبا ونفوسنا وأرواحنا.
أسأل الله أن يجعل قبر والدتك ووالدتي وأمهات كل الغالين والغاليات علينا رياضًا من رياض الجنة، وأن يجمعنا بهم في جنات ونهر في مقعد صدقٍ عند مليك مقتدر. والتقيت به في المرة الثانية في الرياض عندما دعي إلى مهرجان «الجنادرية » ذات عام، وكان حريصًا على لقاء الوالد الشيخ حمد الجاسر الذي يحتفظ له بذكرى جميلة عندما تعرف عليه في بداية أعماله التجارية وكان يتردد ما بين الهند ودبي..!
أما الجانب الآخر الذي لا يعرفه الكثيرون عنه فهو جانب العويس الأدبي الذي طغى عليه جانبه التجاري. فسلطان العويس – رحمه الله – كان شاعرًا رقيقًا، وقد أهداني ديوانه الجميل وقد قرأت له عددًا من القصائد الأخاذة ومنها هذه القصيدة التي يجسد فيها حاله أو بالأحرى حيرته وضيقه بالمال الذي كاد أن يحجبه عمن يحب فقال في لوحة جمالية آخاذة:
إليك مالي فما مالي سوى ورق لن يؤثر المال قلب قد سكنتيه لي في عيونك أموال سأوثرها ومن حديثك درّ لست أحصيه رحم الله سلطان العويس الذي غادر دنيانا جسدًا لكنه سوف يبقى حيًا بيننا، وسوف يظل يذكره الناس في بلادنا العربية وستبقى جائزته التي جعل منها مؤسسة حضارية حيث لن تنتهي برحيله، إذ أوقف لها جزءًا من عقاراته لتظل مستمرة في تحقيق أهدافها وأداء رسالتها الثقافية العربية السامية.
