د. غازي القصيبي: هل رحل أيها الرمز
حمد بن عبدالله القاضي


لقد جنحت بآمالي إلى الكذب عندما تلقيت نبأ رحيلك –رحمك الله – لكن إيماني بالله ويقيني بأنه سبحانه هو الحي الذي لا يموت جعلني أستسلم منكفئاً على حزني، متوسداً شجني ! هذا «الذي » الذي ملأ الدنيا وشغل الناس: وزيراً وسفيراً وشاعراً وروائياً وخطيباً وإنساناً يتخطفه الموت كما يتخطف أي امرئ في هذه الدنيا.
هذا «المفكر العملاق » يغادر دنيانا.. يسافر عن أهدابنا، وينتقل من أروقة القلوب إلى منازل القبور .. من ظهر الأرض التي أثراها عطاءاً وإبداعاً إلى بطنها حيث النهاية والسكون.. واريناك قبرا لا يزيد عن متر ونصف وأنت الذي كانت آمالك وعطاءاتك بسعة الدنيا.. لقد خذلتني يدي وأنا أحثو التراب على قبرك الطاهر مع محبيك المشيِّعين و:
« لغز الحياة وحيرة الألباب
أن يستحيل الفكر محض تراب!»
وخذلني «قلمي » وأنا أمسك به وقتاً طويلاً لم أستطع أن أخط سطراً أو أكتب حرفاً. ولكن غازي لا يموت.. رحل عنا بجسده فقط.. لكنه باق بكتبه، بأعماله الوطنية والإنسانية والعربية والعملية.
مثل «غازي » – رحمه الله – لا يموت فهو رمز ثقافي ورمز سعودي، ورمز عربي.. سيبقى مثلما بقي «العظام » الذين رحلوا باشكالهم.
د/غازي توقف قلبه منذ توقف عطاؤه وإبداعه.. ولهذا فهو – في قصيدته الوداعية «حديقة الغروب » شَعَر بأنه قد حان رحيله عندما قال:
« ويا بلادًا نذرتُ العمرَ زهرته
لعزِّها دُمتِ إنِّي حانَ إبْحَاري »
«غازي القصيبي » الذي ملأ الدنيا وشغل الناس سيظل مالئها وشاغلها.. لقد عاش كل لحظة من عمره مبدعا ومناضلا من أجل وطنه وأمته وثقافتها ومجدها.. وها هو يرحل بجسده بعد عمر حافل بعطاءات مئات المبدعين والمخلصين.
***
• أيها الأثير غازي: لقد اختار الله لك «أيها المؤمن الصادق » أن تغادر أعمارنا في شهر رمضان شهر الطهر والعطاء والنقاء وبعد أن ختمت حياتك بتفسيرك للقرآن الكريم .. إنها لنهاية كريمة – بحول الله – فقد قدمت إلى الكريم في الشهر الكريم بعد صبر على المرض كبير.
لقد كان يتملك المحبين القريبين منك إحساس برحيلك حتى قبل أن يداهمك المرض.. فقد كانت قصائدك تشي بما في جوانح ذاتك فقد قلت في قصيدتك التي نشرتها عندما بلغت الخامسة والستين تخاطب ربك:
«أحببت لقياك: حسن الظن يشفع لي
أيُرتجى العفو إلا عند غفَّار »
وفي قصيدتك « لك الحمد «التي نشرتها صحيفة «الجزيرة» في 27/4/23 هـ، قلت في نهايتها بروح المؤمن الموقن:
« ولم أخش يا رباه موتا يحيط بي
ولكنني أخشى حسابك في الحشر
ترحّل إخواني فأصبحت بعدهم
غريبا .. يتيم الروح والقلب والفكر»
***
لقد كتب وسيكتب الكثيرون عن غازي القصيبي – رحمه الله – من خلال منجزه في الإدارة والوزارة والسياسة والشعر والثقافة إلخ.. لكن ربما لا يكتبون عن غازي القصيبي «الإنسان » الذي كانت تهزمه دمعة يتيم، وتشجيه آهة معوّق،وتسهده حيرة بائس.. وكان – رحمه الله – يبذل من ماله وجاهه الكثير الكثير من أجل مساعدة من يلجأ إليه.
كثيرون لا يعرفون «أي شجن » يسكنه عندما لا يقدر على رفع ظلم أو إعانة مسحوق .. لقد قال وصدق:
«وإن سهرتْ مقلة في الظلام
رأيت المروءة أن أسهرا»
سأذكر موقفاً واحداً من مواقف كثيرة أعرفها.. لقد كتبت له ذات مرة عندما كان وزيراً للصناعة عن امرأة هجرها زوجها بعد ارتباطه بأخرى وأصبح لا ينفق عليها وعلى أطفاله وأحدهم معاق حتى أصبحت لا تستطيع تأمين الحليب لهم وبالأخير بلغت قسوته أن انتزع أولادها منها وحرمها من رؤيتهم وما أن وصلته رسالتي وإذا به يتصل بي ليستوفي بعض المعلومات، وبعدها لم يكتف بمساعدة مالية قدمها وبإكرامية كبيرة شفع فيها لدى أحد كبار المسؤولين بل تبنى قضية «معاناتها » بسبب عدم رؤية أولادها فبذل جهده للوصول إلى زوجها القاسي – بكل سرية – ووسط شخصاً يعرف هذا الزوج.. ولما لم تنجح هذه الوسائل سأل عن منزله وذهب إليه شخصياً في إحدى حارات الرياض الشعبية ليبين له خطأ تصرفه، ويقنعه بجعل الأبناء يرون أمهم حتى كاد أن يقبّل رأسه وتأثر هذا الزوج الذي ظلم امرأته الأولى بهذا الموقف واستجاب لنداء ورغبة وزيارة «الإنسان » غازي القصيبي – رحمه الله – وعفا عن هذا الزوج.
***
• أمراً آخر قد لا يعرفه البعض وهو قوة إيمان هذا الراحل وشدة ارتباطه ببارئه.. يذكر رفيق دربه د/ عبدالعزيز الخويطر أن د/ غازي عندما يدخل إلى الصلاة يعيش فيها خشوعاً وإخباتاً لرب العالمين –رحمه الله– وروى د/ الخويطر في مقاله الذي رثاه فيه أن آخر عمل فكري كان يشتغل عليه هو «تفسير القرآن الكريم » وقد رجع إلى عشرات التفاسير وكان أكثر تفسير شده هو تفسير القرآن الكريم للشيخ عبرالرحمن السعدي رحمهما الله جميعاً وأرجو أن يصدر هذا السفر الجليل.
***
• جانب ثالث هو «جانب التسامح » الذي لوَّن حياته فهو رغم ما تعرض له من نقد قاس سواء في عمله الرسمي أو منجزه الثقافي والفكري وهذا هو قدر العظماء لكنه لم يكن – رحمه الله – يحمل حقداً أو حسداً.. لقد كان صاحب رسالة وقلب ثري بالحب أليس هو القائل :
« من جرب الحب لم يقدر على حسد
من عانق الحب لم يحقد على أحد »
أذكر أن أحد الكتاب ذات مرة نقد إحدى قصائده نقداً قاسياً .. ولم يحمل عليه – رحمه الله – بل عندما احتاج إلى مساعدة إنسانية بادر إلى ذلك وقد كان يردد دائماً: من حق النقاد والقراء أن يقولوا ما يشاؤون.
***
• ختاماً أيها الحبيب الراحل غازي: أودعك ببيتك الذي رثيت به أحد أحبابك:
« لو يرد (الزؤام) لانتصب الحب
سياجاً فما استطاع الزؤام»
• رحم الله «الإنسان» د/غازي القصيبي رحمة واسعة،وجعل ما أصابه من مرض تكفيراً لسيئاته ورفعا لدرجاته.. لقد خدم دينه وقيادته ووطنه وأبناء وطنه بروح المؤمن، وتفاني المواطن، ورؤية المفكر، ورقة الإنسان.
أيها الحبيب الراحل غازي: طبتَ حياً وميتاً.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
توفي عام 1431 هـ رحمه الله.
