🌿 حمد القاضي: الرجل الذي لم تفسده المناصب
✍🏻 أ. أحمد الفارسي
عُمان / مسقط
نعم حمد القاضي… حين يكون الوقار شكلًا من أشكال البطوله
قل عنه ما تشاء…
قل إنه آخر الرجال المهذبين في زمن الضجيج، أو قل إن حمد القاضي حين تمشي الأخلاق على هيئة إنسان.
قل إنه الرجل الذي لم تغيّره الكراسي، رغم أنه عبر مناصب كثيرة كان يمكن لها أن تسرق من الإنسان روحه بهدوء.
وقل أيضًا إنه بقايا الزمن العربي الجميل؛ ذلك الزمن الذي كان الرجال فيه يُعرَفون بأخلاقهم قبل أسمائهم، وبهدوئهم قبل ظهورهم، وبوفائهم #للكلمة قبل وفائهم للمناصب.
أما أنا، فكلما تأملت رحلته الطويلة، شعرت أنني أمام سيرة رجل لم تهزمه الأضواء، ولم تبتلعه الشهرة، ولم تُفسده التصفيقات العابرة.
رجلٌ ظل يحمل قلبه القديم وسط هذا العصر القاسي، كأنما كان يقاوم العالم كله بصمته النبيل.
ولهذا يبدو الحديث عن حمد القاضي أكبر من مجرد مقال صحفي، لأن الكتابة عن أمثاله تصبح شكلًا من أشكال الوفاء نفسه… وربما شكلًا من أشكال البطولة أيضًا.
في هذا الشرق المتعب، حيث تغيّر المناصبُ كثيرًا من الوجوه، وتبتلع الشهرةُ كثيرًا من الأرواح، يظهر أحيانًا رجالٌ يعبرون العمر الطويل وكأنهم يسيرون ضد قوانين القسوة البشرية نفسها.
رجالٌ كلما اقتربوا من الضوء، ازدادوا تواضعًا.
وكلما ارتفعت أسماؤهم، ازدادوا اقترابًا من الناس.
و حمد القاضي واحدٌ من هؤلاء.
إنه لا يشبه أولئك الذين تصنعهم المؤسسات، بل يشبه الرجال الذين صنعتهم الأخلاق القديمة؛ أخلاق المجالس العربية الهادئة، وأدب الصحراء الذي كان يعتبر الكلمة عهدًا، والإنسان قيمةً أعلى من كل المناصب.
وحين يتأمل المرء رحلته الطويلة، يشعر أن المناصب التي مر بها — من الصحافة، إلى التلفزيون، إلى مجلس الشورى، إلى المؤسسات الثقافية — لم تكن سوى محطاتٍ عابرة في حياة رجل كانت مهمته الحقيقية أعمق بكثير: أن يبقى إنسانًا في زمنٍ صار فيه ذلك من أصعب البطولات.
لقد كتب كثيرون، وتحدث كثيرون، وظهر كثيرون…
لكن قليلين فقط استطاعوا أن يتركوا في الناس ذلك الشعور النادر بالطمأنينة؛ ذلك الإحساس بأن الثقافة يمكن أن تكون رحيمة، وأن الأديب ليس بالضرورة متعاليًا، وأن الانسان المهذب ما يزال قادرًا على النجاة وسط هذا الضجيج العربي الهائل.
كان حمد القاضي، في جوهره، أقرب إلى حارسٍ قديم للكلمة الجميلة.
لا يرفع صوته كثيرًا، لكنه يترك أثرًا طويلًا يشبه أثر المطر على أرض عطشى منذ سنوات.
وفي زمنٍ تحوّلت فيه الثقافة عند كثيرين إلى استعراض، بقي هو وفيًا لفكرة الثقافة بوصفها تهذيبًا للروح لا تجارةً للظهور.
ولهذا أحبّه الناس.
ليس لأنه كان مسؤولًا، ولا لأنه جلس يومًا تحت قبة مجلس الشورى، ولا لأنه ارتبط بمؤسسة الشيخ حمد الجاسر الثقافية، بل لأن الناس — بفطرتهم العميقة — يعرفون الرجل الشريف حين يرونه.
يعرفون الإنسان الذي لم تغيّره الكراسي.
يعرفون ذلك النوع النادر من الرجال الذين كلما تقدمت بهم السنون، ازدادوا شبهًا بالأشجار العتيقة؛ صامتة، متواضعة، لكنها تمنح الظل لكل من يمر تحتها.
ولعل أجمل ما في حمد القاضي أنه ينتمي إلى جيلٍ عربي قديم كان يؤمن أن الاحترام ليس ضعفًا، وأن التواضع ليس انكسارًا، وأن الثقافة الحقيقية تبدأ من حسن الخلق قبل كثرة الكتب.
ولذلك، حين يُذكر اسمه اليوم، لا يحضر في الذهن مجرد إعلامي أو أديب أو مسؤول سابق، بل يحضر شيء أندر من ذلك كله: يحضر
